لماذا قتل العميد محمد سليمان الذي كان كل شيء في سوريا؟

09/15 18:05

بعد استقبال العاهل المغربي لبشار الاسد في اذار (مارس) عام 2001 كتبت خبر الوصول والاستقبال بصفتي مديراً لمكتب الوكالة العربية السورية للأنباء في الرباط وقدمته لجبران كورية المستشار الصحافي لرئيس الجمهورية، وعندما طلب مني ان اعرضه علي العميد محمد سليمان استغربت وقلت متعجباً: وما علاقه العميد سليمان بالشان الصحفي وانت المستشار الاعلامي للرئيس فقال باجابه قاطعه: هو كل شيء.

ولكن من هو العميد سليمان الذي قال عنه جبران كوريه انه كل شيء؟

عندما تسلم بشار الاسد اللواء 41 للحرس الجمهوري بعد وفاه اخيه باسل تسلم العميد سليمان منصب مدير المكتب الخاص لبشار واصبح يدير غرفه العمليات الخاصه به والتي تتعلق بنقل الضباط وتسريحهم ومتابعه شؤون الجيش والامن واسس مكتباً خاصاً بالتنسيق مع مكتب المعلومات التابع للقصر الجمهوري لمتابعه الوضع الداخلي، واصبح بعد وفاه حافظ الأسد في عام 2000 يدير غرفه العمليات التي تشرف علي الاجهزه الامنيه، وكان المسؤول الاول عن تسميه اعضاء اللجنه المركزيه والقياده القطريه للحزب في المؤتمر القطري لحزب البعث عام 2000، ولاحقاً في المؤتمر القطري عام 2005، واسندت اليه كافه الملفات المتعلقه بالجيش والحقت به رئاسه الاركان ووزاره الدفاع، وكان العميد سليمان يدير من خلف الستار تعيينات الوزراء والمحافظين وعندما يتحدث العالم الان عن ضروره الحفاظ علي مؤسسات الدوله السوريه اتذكر مباشره العميد محمد سليمان لانه كان يختزل بشخصه جميع مؤسسات الدوله من القضاء الي الجيش بالاضافه الي الحزب.

هو اذن كل شيء تماماً كما قال جبران كوريه، وكان من الطبيعي ان يتسلط علي الاعلام ويقرر هو، وليس المستشار الصحافي جبران كوريه الاخبار المتعلقه برئاسة الجمهورية.

هذا الـ"كل شيء" كان ايضاً عضواً في مجلس اداره مركز البحوث العلميه التابع لوزاره الدفاع والمسؤول الامني الاول عن المركز، وهو الموقع الذي مكّنه من الاطلاع علي برامج تصنيع الاسلحه الكيميائيه والصواريخ بل والذريه ايضاً، وهذا الموقع هو الذي مكنه، باعتباره "كل شيء"، من تصفيه عالم الكيمياء السوري الدكتور ايمن الهبل، وقلع عين عالم فيزيائي اخر بعد افتعال حادث سير مع سيارته، ويومها نزل السائق وضرب الباحث الفيزيائي بقضيب حديد قبل ان يقول له: لكي لا تتمكن بعد اليوم من استخدام المجهر.

يومها جاء من يخبرني ان العميد محمد سليمان اقدم علي تصفيه الدكتور الهبل بتهمه التجسس للموساد، ومن دون اجراء اي محاكمه ولو صوريه كما يفترض.

ولكن لماذا تخلص محمد سليمان من الدكتور الهبل ومن عالم الفيزياء السوري؟ محمد سليمان كان "البطل المجهول" في ابرز العمليات التي نفذها الموساد الاسرائيلي، من الغاره الجويه علي موقع "الكبر" (حلبيه - زلبيه) قرب دير الزور في ايلول (سبتمبر) 2007، الي الاغتيالات التي استهدفت عماد مغنيه القائد العسكري والامني في "حزب الله"، ومحمد المبحوح، القائد في حركه "حماس"، وعدد من القيادات الفلسطينيه، والصور التي التقطت لموقع الكبر حلبيه - زلبيه اخذت من الارض وليس من الجو، ومن قرب الموقع وداخله، فضلاً عن الصوره التي جمعت بين مدير هيئه الطاقه الذريه السوريه وزميله الكوري الشمالي، ومنصب محمد سليمان كمسؤول امني عن مركز البحوث ومديراً للمكتب العسكري لبشار الاسد كان يسمح له بالتجول والتحرك بحريه مطلقه في جميع الامكنه، وكان من المستبعد الشك به ليس لانتمائه الطائفي فحسب بل لانه من رفاق باسل الأسد وكذلك شقيقه ماهر وبعد ذلك بشار.

ومحمد سليمان هو من سلم البريد الالكتروني الخاص ببشار الاسد الي جهاز الموساد الذي تمكن من الدخول اليه ونسخ جميع ما فيه بشكل مستمر طيله فتره طويله.

ومحمد سليمان هو من اتهم بتسليم اسرائيل المعلومات الخاصه بالزياره الاخيره لعماد مغنيه الي دمشق وكل ما يتعلق بتفاصيلها، ولذلك جاءت الروايه التي تقول انه كان لجهاز امن حزب الله والمخابرات الروسيه اليد الطولي في كشف ارتباط محمد سليمان بجهاز الموساد منذ ان كان يتابع دراساته العسكريه في روسيا، ويومها اخبرت المخابرات الروسيه نظيرتها السوريه بتلك العلاقه ولكن لم يتخذ اي اجراء بحقه ولو من باب السؤال.

في الثاني من اب (اغسطس) 2008 اغتيل العميد محمد سليمان في الشاليه الخاص به في مدينه طرطوس حيث وكما تقول الروايه الرسميه اطلقت النار عليه في ظهره ورقبته في ساعه متاخره من الليل بعد ان تم قطع الكهرباء عن المنطقه، وتم اتهام جهاز الموساد الاسرائيلي باغتياله.

السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: لماذا لم يكن العميد سليمان يوم اغتياله في رفقه بشار الاسد خلال زيارته لطهران باعتباره المسؤول الاول عن التسليح والتعاون النووي، وعن تهريب السلاح الي حزب الله؟... يذهب مع بشار الي المغرب في زياره لا تحمل الطابع العسكري ويغيب عن زياره طهران الشريك الاساسي في التعاون العسكري، وهو المسؤول الاول عن ملفاتها؟

اغتيال محمد سليمان جاء بعد اقل من سته شهور علي اغتيال الزعيم العسكري في حزب الله عماد مغنيه ومسار التحقيق الذي اجرته اللجنه المكلفه بالتحقيق انحرف باتجاه اخر يتناقض مع الروايه الرسميه بعد اكتشاف 80 مليون دولار نقداً في فيلا محمد سليمان، الامر الذي "صدم" بشار الذي كان حريصاً علي معرفه "كيفيه" حصول سليمان علي هذا المبلغ، وبعد ان جاءته الاجابه قال: لقد خانني... خانه شخصياً ولم يرتكب خيانه بحق بلده!

وبالنتيجه فان ما حدث يؤكد ان "الاغتيال السياسي" هو اهم ثروه ورثها بشار الاسد عن ابيه.

بدانا بجبران كوريه المستشار الاعلامي في القصر الجمهوري ونكمل به ايضاً.

في نهايه السبعينات من القرن الماضي تلقي جبران عرضاً مغرياً من صحيفه اردنيه وكان وقتها يعمل في صحيفه "تشرين"، وعندما علم حافظ الاسد بالعرض، وبموافقه جبران علي العمل في الاردن استدعاه وطلب منه ان يعمل مستشاراً اعلامياً في القصر الجمهوري، وكان خلال عمله يحظي بتقدير حافظ الاسد بسبب كفاءته واخلاصه.

قبل زياره البابا الي دمشقش في عام 2006 جاء بشار في احد ايام الجمع الي مكتبه مبكراً علي خلاف العاده وفور وصوله طلب مسوده الكلمه التي سيلقيها ترحيباً ببابا الفاتيكان، وعندما قيل له ان جبران لم يحضر بعد ولا يرد علي الاتصالات الهاتفيه طلب منهم اجراء اللازم.

من اجري "اللازم" يومها هو محمد سليمان الذي ارسل دوريه الي منزل جبران اتت به موجوداً، ولم ينفع اعتذاره انه كان في الحمام ولم يسمع صوت الهاتف او القرع علي الباب قبل اقتحام المنزل، ولم يشفع له ايضاً كبر سنه لانه كان قد تجاوز السبعين من عمره.

تلقي جبران بعد اقتحام منزله الضرب والركل وانتهي الامر بسجنه عده ايام في مكتبه كي لا يكرر فعلته... وبعدها بفتره قصيره احيل الي التقاعد وغادر الي المانيا للعلاج من ورم خبيث، ولكن بشار طلب منه العوده فعاد وكان حتي لحظه وفاته يعتقد انه سيعود الي عمله في القصر الجمهوري.

You Might Also Like