جرش – رانه نزال
كانت النتيجة الطبيعية لتحطم أشجار الديكور الخشبية التي كانت قد نصبت على مسرح الصوت والضوء أن تأخر العرض الأول لمسرحية "دارا الصديقة" نصف ساعة عن الموعد المقرر لبدئها ضمن فعاليات مهرجان جرش التاسع عشر للثقافة والفنون، وقد قابل الجمهور بالترحاب دعوة ادارة المسرح لحضور العرض مجانا، واستقر على مصاطب المسرح، وتناثر بين جنباته منتظراً، وصفق متفاعلاً مع الأغنيات العربية التي سبقت العرض كأغنية خير اللهم اجعله خير، وغيرها.
وقد تشكلت خلفية العرض من الأشجار التي توزعت على خشبة المسرح المغطاة بنشارة الخشب بما يشي بأجواء الغابة، وانعكست ظلال الأشجار على الخلفية الجدارية المرسومة على قماشها أشجار الغابة التي يعيش فيها أصدقاء "دارا".
بعد انتظار شاهدنا سلحوف يتسلل من خلف الكواليس مرتدياً زي سلحفاة ليجلس في زاوية المسرح، وقد أحاطت به كتبه وعلت أصوات زقزقة العصافير كمؤثرات صوتية نقلت الجمهور الذي تجاوز عدده المئتي مشاهد إلى أجواء الغابة.
بدأ سلحوف العرض بتوجيه مجموعة من الاسئلة الى أطفال المسرح الحضور،ومنها: ما اسم مجرتنا؟ وما اسم كوكبنا؟ وما نتيجة ضرب 1×1؟ وقد تفاعل الأطفال بحماسة وان كان بعضهم قد تعمد تضليل البقية، ورفع الصوت باجابات خاطئة أجاد سلحوف تجاهلها أو رفضها.
وصلت (دارا) الغابة محملة بهداياها، فهذا ااكتاب لسلحوف، وهذا جزر لأرنوب وأرنوبة اللذين يظهران وأرنوبة تبكي من انانية أخيها، الذي يأكل حصتها من الجزر، لكن سلحوف وبالتعاون مع (دارا) يطلبان منه الاعتذار لأخته، وهنا يظهر الديك كوكو الذي لم يتمكن الاطفال من تمييز نوعه من الطيور، فالريش الذي يرتديه أشبه ما يكون بالتنين منه ديكاً!
بدأت الأغنية الأولى في العمل والتي كتبها كاتب المسرحية وملحنها ماهر الحلو، وتقول كلمات الأغنية:
سنلعب ونغني ونغامر
نهرب من ثعلوب الماكر
وتألفت المسرحية من ثلاثة مقاطع عضوية..الأول التقاء الأصدقاء وتلقينهم درس الحساب على يد سلحوف حكيم الغابة، والثاني دعوتهم من قبل سلحوف للعمل، وتهرب الديك ونومه، والثالث دعوة سلحوف للأصدقاء لينظفوا الغابة، ومن خلال هذه المحاور تتكشف شخصيات العمل فسلحوف طيب وخير وحكيم ومحب للآخرين، والديك جبان يخترع القصص الخيالية التي يحاول أن يقنع مقنسه من خلالها بشجاعته، وأرنوب أناني، وأرنوبة شخصية ثانوية تستقبل أفعال الآخرين، ولا تقوم بأي فعل، ليظهر ثعلوب بمؤثرات صوتية واضاءة حمراء تؤكد خطر هذا المخلوق على سكان الغابة.. ثعلوب جائع يبحث عن طريدة، ثم سرعان ما يخرب الغابة انتقاماً، فيجتمع الأصدقاء ويتعاونون ليضعوا خطة لمقاومة خطر ثعلوب، ويتصارحون بأخطاء كل منهم، وهنا تبدأ عملية التغيير فتنقلب أنانية أرنوب الى محبة، وجبن الديك الى شجاعة تدفعه لمواجهة ثعلوب، ليوقع به في الفخ الذي هيأه الجميع للإيقاع به.
من بداية العرض تشكل جسر من التفاعل الحيوي واليقظ بين ممثلي المسرحية وجمهورها، فإجابات الأطفال، ومتابعتهم للحركة المدروسة المعبرة التي رفدت العمل ودعمته، إضافة الى الاضاءة والأغنيات، وتمكنت مينا محمد العواملة الطفلة الحقيقية التي أدت دور (دارا) بصوتها الطبيعي ومن دون افتعال أو صراخ من إجبار الجميع على الاصغاء اليها ومتابعة طبيعيتها، وتمنى الأطفال الحضور على كل من ثعلوب، وسلحوف وكوكو لو فعلوا مثلما فعلت، وتحدثوا بصوتهم الطبيعي دونما افتعال، وكانت الرسائل التي وصلت الأطفال في العمل قيمة الغايات، ولم تسقط في فخ المباشرة والوعظية، بل ظلت حريصة على أن تقول مواقف الأبطال للأطفال وما ينبغي عليهم فعله، وكان الحل نتيجة منطقية لتعاون الأصدقاء، فقد حكموا على ثعلوب بالطرد من غابتهم، وفرحوا بزيارة صديقتهم التي ودعتهم في نهاية العرض بالأغنية الثالثة التي قالت كلماتها:
"يا سكان الغابة
يا أحلى الأصحاب..
أمرح دوما .. دوما أفرح
معكم أتحدى الصعاب
سأسافر يوما عنكم
لبلادي الحبيبة
سأخبر صحبي عنكم
أخبارا جميلة"
انتهى العرض، وتجمع الأطفال حول كوكو وسلحوف مصافحين، ومحاولين الإمساك بملابسهم، وكان مخرج العمل علي الجراح مستاء خلف أجهزة الصوت ولما سألته "البوابة" عن سبب استيائه قال: لقد كسر الممثلون اللغة، ولم يراعوا أصولها، وارتجلوا كثيرا، ودمروا العمل، فقد ضيعوا الحركة المطلوبة منهم لاداء معاني النص.
واجتمع المخرج مع ممثليه، والقى عليهم وصايا العرض الثاني غدا، وطلب منهم أن يتجاوزوا اخطاءهم، فالعمل يستحق منهم عرضا أفضل من الذي قدموه اليوم.
حدث الممثل نضال البتيري، في دور السلحوف "البوابة" عن دوره في المسرحية فقال: سلحوف حكيم الغابة الذي يقدم النصائح لسكان الغابة، ويعتبرهم أبناءه، وهو الشخصية التي تمثل الصدق والحب والدعوة إلى الخير، وأنا شعرت بهذا الدور، لأني أحب أن أكون خيرا بطبعي، وفعلا أدعو إلى الحب والصدق فهذه هي طبيعتي الداخلية، والمسرحية تعتمد على الفعل والحكاية اكثر من اعتمادها على النص المباشر، فالفعل هو الذي يتحدث عما نريد أن نقول.
أما الممثل حسن النبالي في دور الديك كوكو فقد قال:
الديك بطبعه نشيط، ويوقظ الناس في أوقات الصلاة، لكنه في هذه المسرحية كسول ويستغبي الناس، يحاول أن يثبت لهم أنه فهمان في كل شئ، وشجاع جدا لدرجة اختلاق القصص الوهمية الخيالية، التي لا تصدق ونسبتها إلى نفسه، وبالتالي هو كاذب جبان، والسبب في ذلك خوفه من ثعلوب، والمسرحية تعتمد كليا على الجانب الحركي، فلو أنك تابعت حركات الممثلين دون كلامهم لفهمت النص، والديك يعاني من عقدة نقص، فهو يخاف من ثعلوب ولهذا يكذب مدعيا الشجاعة.
أجابت الطفلة ليلى منذر نظمي عن سؤال "البوابة" عن رأيها في العرض بقولها: المسرحية متقنة من حيث الديكور، أما الملابس فلم أشعر بأنها مناسبة، وكانت مسلية وممتعة، وأفادت الأطفال.
الطفل ايهاب الزين قال: تعلمت أن لا أكون أنانيا، ولا كذابا، وأن التعاون أساس النجاح.- -(البوابة)