الحبيب الجوابي صانع السُبحة الأخير في تونس

08/13 13:49

لدي اجتياز "باب الجديد"، احد ابواب مدينه تونس العتيقه الكثيره، تجد نفسك في "سوق الحدادين"، وسط صخبه الحاد وحوانيته الكثيره. هناك يقع دكانٌ صغير، هو اخر معاقل صناعه المسابح في تونس.

ازدهرت صناعه المسابح في بلاد المغرب العربي علي امتداد قرون طويله وترافقت مع الحضور الصوفي وانتشار مراقد ومقامات الاولياء الصالحين الذين شكل اتباعهم ومريدوهم اكبر مستهلك لها.

الان اختلف الوضع. علي مشارف عقده الثامن، ما زال الحبيب الجوابي، صاحب الدكان المذكور، يكابد من اجل المحافظه علي حرفته التي باتت نادره. لا يراهن عليها لقيمتها الرمزيه بل يحرص علي الاستمرار فيها كونها مصدراً للرزق. قال لرصيف22: "لا اتخيل حياه اخري لي خارج هذا الدكان، او في حرفه اخري. جربت التخلي عنها في السابق، وذهبت الي فرنسا ولم استطع البقاء هناك. كان كل شيء يجذبني الي هذا الدكان والي حبات السُبحه".

وروي الجوابي قصته مع صناعه السبحات التي بدات منذ خمسينيات القرن الماضي: "دفعني والدي للعمل مع صاحب هذا الدكان الذي افتتح سنه 1939، وكان رجلاً فقيهاً وعلماً من اعلام الطريقه التجانيه، ليُعلمني صناعه السبحه. يومذاك لم يكن عمري يُجاوز الخمسه عشر سنه. في هذا الدكان الصغير تعلمت اصول الحرفه. فقد كان العمل يدوياً صرفاً. كنا نصنع الحبات بخراطه يدويه ثم نصقلها بايدينا حتي تاخذ شكلها الدائري. لم يكن انتاج الدكان يُجاوز العشر سبحات في اليوم، اما الان فقد تغير الامر كثيراً بفضل الالات الكهربائيه السريعه الانتاج".

وماذا عن عن علاقته بحرفته، اجاب: "لا اعتبرها عملاً اجني منه مالاً فقط، بل جهداً مقدساً. السبحه اداه تساعد صاحبها علي العباده وذكر الله والتقرب منه. وشُغلي يساعد الناس علي العباده ويوفر لهم اله للذكر والتسبيح".

واضاف: "للطرائق الصوفيه العديد من الاذكار التي يصعب ضبطها باليد او بالحساب الذهني، فاستنبط كبار الصوفيه والمشايخ هذه الاداه لمساعده المريد علي الذكر وجعله منقطعاً لله غير مُهتم بحساب الاذكار، الذي تضبطه السُبحه الياً. المسابح التي اصنعها ستبقي صله وصل بيني وبين الذاكرين في كل ارجاء العالم. فحيث يوجد صوفيون ومريدون وذاكرون ستكون السُبحه ملازمهً لهم".

واشتكي الجوابي من ان "هذه الحرفه اصبحت متروكهً وتواجه شبح الاندثار". في المده الاخيره، اصبح وحيداً في الميدان. فاغلب الشباب لا يرغبون في اضاعه وقتهم في تعلّم هذه الحرفه ويبحثون عن مهن اخري ذات مردود مادي اكبر واسرع. كذلك تلعب السوق دوراً كبيراً في احجام البعض الالمام باصول هذه المهنه، فصناعه السبحه باتقان لا تكفي، بل يتطلب الامر سوقاً لترويج المنتوج وعلاقات واسعه مع المهتمين. لقد نجح الجوابي في بناء هذه السوق وتوسيع علاقاته خلال اكثر من نصف قرن من العمل، وهو امر يصعُب كثيراً علي اي حرفي جديد ان يفعله.

يشتغل الحبيب الجوابي اساساً في صناعه سبحه الطريقه التجانيه، نسبه للشيخ احمد التجاني، وهو ينتمي اليها. لكنه يصنع كل انواع السبحات بحسب الطلب. تتالف السُبحه التجانيه من مئه حبه مقسمه بحسب اذكار الطريقه اليوميه وتمسي "اوراداً" وتفصل بينها "شواهد". اما الطرائق الصوفيه الاخري فاغلبها ذات سبحات من تسع وتسعين حبه بعدد اسماء الله الحسني، وتختلف اذكارها بحسب كل طريقه.

اما الماده الخام المُستعمله في صناعه السُبحه فهي من الخشب. يُركز مريدو الطريقه التجانيه علي "عود العناب" لجمال لونه ورائحته الطيبه، ولانه من وصايا شيخهم احمد التجاني الذي كان يتخذ سُبحه من عود العناب.

ولكن بعض الطرائق الصوفيه الاخري تُفضل عود الزيتون لان شجره الزيتون "مباركه". ويفضّل المتصوفه في افريقيا جنوب الصحراء "عود اليبنوز" الاسود اللامع و"عود اليُسر" النادر. ويتم نقع السُبحه في زيت خاص يزيد العود بريقاً وطيباً.

اما شواهد السُبحه، وهي القطع التي تقسم اجزاءها، فتُصنع من عظام الحيوانات كالبقر والابل. ويُستعمل الخيط السميك في نظم حبات السُبحه، ويُستبدل كل مده كي لا ينفرط عقدها. وهنالك انواع اخري من السبحات تُتخذ للزينه وتُصنع من الفضه واخري تُصنع من الخشب، ولكنها كبيره الشكل تُعلق في البيوت.

وراي المؤرخ التونسي منصور بوليفه ان "نفور الشباب من تعلم حرفه صناعه السبحه في مقابل الاقبال علي بعض الصنائع الاخري، مرتبط الي جانب العوامل الاقتصاديه المهمه والفارقه، بعوامل ثقافيه. فقد ازدهرت هذه الصناعه في تونس منذ وصول الاسلام حتي النصف الاول من القرن العشرين، نظراً لتركز الكثير من الطرائق الصوفيه في البلاد وانتشار الزوايا الصوفيه، الامر الذي اوجد سوقاً مزدهره للسبحات بمختلف اشكالها وانواعها، بحسب كل طريقه صوفيه واذكارها".

You Might Also Like